السيد عبد الأعلى السبزواري

238

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ [ سورة الإسراء ، الآية : 55 ] . قوله تعالى : ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ . الذرّية من الألفاظ الكثيرة الاستعمال في القرآن الكريم ، وأصلها من الذر بمعنى النشر والانتشار ، واستعملت في مطلق الأولاد والنسل لانتشارهم من مصدر واحد ، ويطلق على الواحد والكثير ، وقد يأتي الذراري في الجمع ، وتقدّم في قوله تعالى : وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [ سورة البقرة ، الآية : 124 ] ، بعض الكلام . والجملة عطف بيان ، ونصب « ذرّية » على الحال . ومعنى ( بعضها من بعض ) ، أن هذه الذرّية مضافا إلى أنها متداخلة متشعّبة بعضها من بعض ، فكلّ بعض يفرض فهو مبتدئ لبعض آخر ومنتهى بعض آخر ، هي متشابهة الأطراف في الصفات والخيرات والحالات . والآية الشريفة تدلّ على أن هذه الذرّية متّفقة في الصفات التي اقتضت اصطفاءها على العالمين ، فلم يكن جزافا ولا عبثا ، فالجملة في موضع التعليل لتعميم الاصطفاء ، أي : لأنهم متّفقون في الصفات ومتشابهو الأفراد اصطفاهم اللّه تعالى . قوله تعالى : وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ . أي : واللّه سميع لأقول الذين اصطفاهم ، وسميع لدعاء الداعين ورجاء الراجين ، مستجيب لهم ، عليم بمواقع اللطف وضمائر الناس وما في قلوبهم . والجملة في موضع التعليل لجهة الاصطفاء ، أي : أنه تعالى سميع يسمع الأقوال ويستجيب الدعاء ، ويعلم ما في القلوب والضمائر ، فهو أعلم حيث يجعل رسالته ويصطفي من عباده . ويمكن أن يكون ذكر ( عليم ) للإشارة إلى أن الاصطفاء من القضايا العقليّة التي يكون دليلها معها ، أي : حيث إنهم كانوا واجدين لشرائط الاصطفاء وفاقدين لموانعه ، اصطفاهم اللّه تعالى ، ولا يعلم وجدان الشرائط وفقدان الموانع إلا العليم